مشاهدة مُسْتَعِر فائِق بعيون أشعة جاما

في العدد الصادر في 24 من شهر أغسطس الماضي من الدورية العالمية Nature، أعلن خورازوف وزملاؤه اكتشافًا عظيمًا، ليس لأنه مفاجئ، بل تحديدًا لأنه ليس كذلك. فقد اكتشف الباحثون خطوط انبعاث لأشعة جاما من المستعر الفائق 2014J، وهو من النوع Ia، في المَجَرَّة القريبة M82، وذلك باستعمال مركبة الفضاء “إنتجرال” Integral، التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية.

لقد عمل الفلكيون طوال عقود على رسم الصورة الفيزيائية لهذا النوع من النجوم المتفجرة على أساس الضوء الذي تشعّه. وتؤكِّد دراسة المؤلفين ـ على نحو مباشر ـ أكثر الأفكار جوهرية في تلك الصورة، من خلال رصد مستعر فائق ضمن مجال أشعة جاما من الطيف الكهرومغناطيسي. وكما هو متوقع، نتجت أشعة جاما تلك ـ التي رصدوها في الأشهر التالية لانفجار المستعر الفائق ـ من الاضمحلال الإشعاعي لنظائر مشعّة، اندمجت معًا لتعطي لهبًا حراريًّا نوويًّا دمَّر نجمًا متراصًّا.

يستجيب الفلكيّون بسرعة لأحداث الانفجارات. ففي مساء 21 يناير 2014، وفي أثناء الإشراف على مختبَر فلكي للتعليم الجامعي في كلية لندن الجامعية، لاحظ ستيف فوسِّي وطلابه نجمًا إضافيًّا في M82، سُمِّي فيما بعد بالمُسْتَعِر الفائق SN 2014J (الشكل أعلاه ). وقد اكتُشف النجم مصادفةً، إلا أن اكتشافه سبَّب فورة من الأرصاد لتأكيد أنه مستعر فائق، وتحديد نوعه، وجمْع أكثر البيانات الكاشفة عنه.

تحتوي الأجسام القريبة من الشمس على الكثير مما يمكن أن نتعلم منه، و SN 2014J هو أقرب انفجار لمستعر فائق من النوع Ia منذ عام 1972.

وثمة نوعان رئيسان من المستعرات الفائقة: تلك التي تحصل على طاقتها من انهيار ناجم عن الجاذبية في النجم الأصلي، وتلك التي تأتي طاقتها من اندماج حراري نووي كارثي في النجوم، وهي الفئة Ia التي ينتمي إليها SN 2014J.

تستغرق هذه الانفجارات حوالي ثلاثة أسابيع لتصل إلى ذروتها، التي تساوي أربعة مليارات ضعف ناتج الشمس الضوئي. وبعد ذروة متناظرة إلى حد ما، يحصل اضمحلال أُسِّي طويل. تعني الذروة الساطعة أنه يمكن رؤيتها من مسافة تساوي نصف الكون. وهي تتصف بمجال ضيق من السطوع، بعد تطبيق تصحيحات على إصداراتها الضوئية، ولذا.. يمكن استعمالها كـ”شموع معيارية” لقياس المسافات الكونية بدقة جيدة.

أدى هذا التطبيق المهم إلى جائزة نوبل للفيزياء لعام 2011، وذلك عن اكتشاف أن توسُّع الكون متسارع، إلا أن الفكرة الجوهرية القائلة إن تلك المستعرات الفائقة تنتُج من اندماج حراري نووي مفاجئ للكربون في نجم قزم أبيض، لم تخضع لاختبار مباشر حتى الآن. ومع أنه من المسموح استعمال أجسام لا نفهمها تمامًا للتعرف على الكون، فإنه من الأفضل كثيرًا أن نفهمها.

ذهب خورازوف وزملاؤه إلى صميم المسألة بالقياس المباشر لنتائج الاندماج النووي الذي دمَّر النجم الأصلي للمستعر الفائق 2014J؛ وجعله يتوهج.

في المراحل الأخيرة من حياة النجم الذي تساوي كتلته كتلة الشمس، يتخلص من طبقاته الخارجية أثناء انكماش نواته التي تصبح قزمًا أبيض. يساوي حجم القزم الأبيض، ذي الكتلة المساوية لكتلة الشمس، حجم الكرة الأرضية. والأقزام البيضاء تدوم طويلًا إذا تُركت وشأنها. فبعدم وجود مُدخَل من طاقة نووية، وبوجود سطح مشع صغير، تبرد الأقزام البيضاء المنفردة ببطء بمرور الزمن، لتتلاشى تدريجيًّا، إلا أنها هَشَّة.. فإذا اكتسب القزم الأبيض كتلة من نجم مرافق، أو اصطدم بقزم أبيض آخر ، أمكن لذلك الوزن الإضافي أن يضغط الكربون ضمن نواة النجم، حتى يبدأ الاندماج النووي. ويحصل الاندماج في ومضة: تخترق شعلة حرارية نووية القزم الأبيض، جاعِلةً الكربون فيه يندمج ليعطي عناصر أثقل، مع تحرير مفاجئ للطاقة، حيث تمزِّق الطاقةُ النجمَ إَرَبًا. يتوقف الاندماج عن إنتاج الطاقة عند العنصر الذي يمتلك النواة ذات الرابط الأقوى −في حالة القزم الأبيض، هو النيكل-56 (56Ni).

يجب أن يكون القزم الأبيض المنفجر ممتلئًا بنوى 56Ni −والضغط الناجم عن اللهب النووي يمزق النجم ويقذف بتلك النوى بسرعة تساوي آلاف الكيلومترات في الثانية. وفي الأيام الأولى بعد الانفجار، تتم تغذية الصعود إلى الذروة الضوئية بالاضمحلال الإشعاعي لـ56Ni، ذي عمر النصف المساوِي لمدة 6.1 يوم، ويتفكك ليعطي الكوبالت-56 (56Co)، ذي عمر النصف المساوي لمدة 77 يومًا. ثم يتفكك هذا النظير المشع ليعطي الحديد-56 المستقر، مساعدًا على تغذية الإشعاع من المستعر الفائق.

إن المستعرات الفائقة من النوع Ia، التي انفجرت قبل 5 مليارات سنة، هي المصدر الكوني لحديد الشمس والأرض، وحديد دمنا نحن البشر.

تلك هي المقولة الشائعة عن هذه الفئة من المستعرات الفائقة. والإجابات عن أسئلة امتحانات مادة “مقدمة إلى الفلك” تُعتبر “صحيحة” إذا كتبتَ تلك الأشياء، إلا أنه من الأفضل دائمًا أن تقرأ كتاب الطبيعة، بدلًا من قراءة أي كتاب دراسي. فالاختبار المباشر لهذا النموذج المعتمَد يمكن أن يتحقَّق من خلال اكتشاف انبعاث لأشعة جاما من 56Co أثناء تفككه إلى 56Fe في الأسابيع التالية للانفجار. في البداية، يُمتص معظم أشعة جاما في المادة المتوسعة بسرعة، والناتجة من تمزُّق القزم الأبيض. وهذا الإمداد بالطاقة هو المسؤول عن السطوع المستمر للمستعر الفائق من النوع Ia. ولتحقيق توافق مع مُخرَج الطاقة المرصود من مستعر فائق من النوع Ia، يلزم نحو 0.4-0.6 من كتلة الشمس من 56Ni في الحطام المتوسع. في النهاية، عندما تتلاشى مادة النجم، يبدأ بعض أشعة جاما بالهروب من الانفجار، دون ترك طاقتها، ولذا.. إذا كان لديك الكاشف المناسب؛ سنحت لك الفرصة لمشاهدتها.

لم يُفَوِّت خورازوف وزملاؤه فرصتهم.. فقد رصدوا المستعر الفائق 2014J بين اليومين “الخمسين” و “المائة” بعد الانفجار باستعمال القمر الصناعي “إنتجرال”، وقاسوا انبعاثات أشعة جاما منه. ووفقًا لما بيَّنوه توجد بقعة جديدة من الإشعاع عالي الطاقة في موقع المستعر الفائق 2014J لم تكن موجودة في عام 2013 (قبل حصول الانفجار). يُضاف إلى ذلك أن طيف طاقة أشعة جاما في الفوتونات المأخوذة من تلك البقعة على توافق جيد مع نموذج طيفي لأشعة جاما هاربة من النجم المنفجر. فمقدار أشعة جاما الصادرة المرصودة تتوافق مع كتلة لـ56Ni عند المصدر تساوي 0.6 من كتلة الشمس، وهذا يقع تمامًا في مجال نماذج انفجار القزم الأبيض، لكن البيانات كانت مشوشة، لأن القياسات تُجرى عند حدود التكنولوجيا الراهنة، ولذا.. ليس من الحكمة أن تثق بكثير من التفاصيل، إلا أن النتائج الأساسية واضحة: المستعرات الفائقة من النوع Ia هي حقًّا أحداث حرارية نووية.

إن الخروج عن الحكمة الدارجة سارٌّ في العلم دائمًا، بل ويُمَكِّنك من الحصول على جوائز بسببه، إلا أن ثمة متعة كبيرة أيضًا في تقديم دليل قاطع على فكرة فيزيائية مهمة استُعمِلَت عقودًا عدة، دون برهان عليها. فبيانات إنتجرال تُثبِت آلية الانفجار الحراري النووي للمستعرات الفائقة من النوع Ia. وتلك نتيجة رائعة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث الاخبار

علماء يصنعون صورة متحركة مركَّبة من عدة صور للثقب الأسود

في إبريل 2019م عرض فريق علمي أول صورة في التاريخ لثقب أسود بتفاصيل دقيقة مذهلة، التقطتها مجموعة ضخمة من التلسكوبات الموزَّعة حول العالم تُدعى «تلسكوب أفق الحدث.» ..

اتفاق روسي – أمريكي على البحث المشترك عن الحياة على كوكب الزهرة

سيبحث المسبار الروسي الأمريكي “Venera-D” عن الحياة في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة على خلفية تصريح العلماء الغربيين حول اكتشاف علامة على قابلية الكوكب للسكن هناك. ..

بحث يحمل افتراضات نظريّة عن احتمالية وجود نوع “غريب” من الحياة داخل النجوم

ركز البحث عن حياة خارج الأرض على الكواكب التي يرى العلماء أنها الموطن المحتمل للحياة. وبحسب موقع “مرصد المستقبل” علماء الفيزياء في جامعة سيتي في نيويورك طرحوا ..

علماء معهد سيتي يضاعفون 200 مرة عدد المجموعات النجمية التي يقدرون وجود كواكب تدور حولها

نشر مرصد المستقبل خبراً عن فريقٌ من علماء معهد سيتي، الذين يبحثون عن حياة خارج الأرض، يفيد بأن علماء المعهد ضاعفوا عدد المجموعات النجمية التي يقدرون ..

حدث غريب يسجله مقياس الزلازل على سطح كوكب المريخ

لا تشبه أقمار المريخ قمر الأرض، فقمره الأكبر فوبوس، أقرب بكثير إليه من بعد قمر الأرض عنها، ويدور فوبوس حول المريخ ثلاث مرات في كل يوم مريخي، أي ..

أخبار ذات صلة

علماء يصنعون صورة متحركة مركَّبة من عدة صور للثقب الأسود

في إبريل 2019م عرض فريق علمي أول صورة في التاريخ لثقب أسود بتفاصيل دقيقة مذهلة، التقطتها مجموعة ضخمة من التلسكوبات الموزَّعة حول العالم تُدعى «تلسكوب أفق الحدث.» ..

اكتشاف ” ثقب أسود ” يعتقد أنه الأقرب إلى الأرض – فيديو

اكتشف فريق من علماء الفلك من المرصد الجنوبي الأوروبي (ESO) ومعاهد أخرى ثقبًا أسود يقع على بعد 1000 سنة ضوئية من الأرض. الثقب الأسود أقرب ..

علماء : اكتشاف انبعاث إشعاعات غاما من المادة المظلمة

اكتشف علماء الفلك انبعاث إشعاعات غاما من المادة المظلمة. وهذا يعني أن قسما من إشعاعات غاما في الكون تنبعث من المادة المظلمة. وتفيد مجلة Physical ..

رصد وميض خارق وسط ثقب أسود لم تر مثله من قبل

استخدم العلماء في جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة أحدث الكاميرات لالتقاط صور وميض خارق في وسط ثقب أسود. ويمكن أن تلتهم الثقوب السوداء النجوم القريبة، وعندما ..

اكتشاف ثلاثة ثقوب سوداء على مسار تصادمي

رصد علماء الفلك في وكالة الفضاء الأميركية “ناسا”، بواسطة مرصد تشاندرا للأشعة السينية وتلسكوبات فضائية أخرى، 3 ثقوب سوداء ضخمة للغاية تسير باتجاه تصادمي هائل. ..