فلم وثائقي بعنوان ” حمى الجسيم ” عن جسيم هيجز

هل ثمة جديد يمكن أن يقال عن بوزون هيجز، الجسيم تحت الذَّرِّي الذي قاد اكتشافه في عام 2012 إلى نَيْل جائزة «نوبل»، وصدور مجموعة من الكتب الرائجة، وإنشاء معرض، وحتى إنتاج فيلم سينمائي أبطاله من الزومبي، وتصوير أغنية راب؟ استطاع مارك ليفنسون ـ الفيزيائي سابقًا وصانع الأفلام حاليًا ـ أن ينجح في إخراج فيلم وثائقي عن جسيم هيجز، تم تصويره في مكان اكتشاف الجسيم.

بالطبع كان الحصول على لقطات مميزة شيئًا صعبًا، في الوقت الذي كان ينتشر فيه أفراد طاقم التصوير في كل مكان في مصادم الهادرونات الكبير في مختبر فيزياء الجسيمات الأوروبي «سيرن»، الواقع بالقرب من جنيف، لكنّ ليفنسون تغلَّب على هذا بتصوير فيلمه على فترات متقطعة منذ إنشاء مصادم الهادرونات الكبير في عام 2008، حتى عام 2012.

صوَّر فريق الفيلم الوثائقي «حمى الجسيم» Particle Fever كل الأحداث ذات القيمة: من الاحتفال الذي فُتحت فيه زجاجات الشمبانيا عند إطلاق أول شعاع من البروتونات المنتشرة، إلى الحطام المتسخ والمشوه للمغناطيسات فائقة التوصيل، التي انفجرت في الأسبوع التالي؛ وأعاقت العمل في المختبر لعدة أشهر.

استطاع هذا الفيلم أيضًا أن ينجح في اختيار أبطاله، إذ إنك لن تشاهد فقط قصص الباحثين المشهورين، لكن عوضًا عن ذلك.. ستتعرف على شخصيات من عامة الفيزيائيين التجريبين والنظريين وهم في قلب سباق الاكتشاف. إحدى الشخصيات المحبوبة في الفيلم هي مونيكا دنفورد، باحثة ما بعد الدكتوراة الأمريكية، كثيرة الكلام، والمرتدية دائمًا قبّعة صلبة، حاملة في يدها مفتاح رَبْط؛ لإصلاح قطع مصادم الهادرونات الكبير المعطوبة. وهنا، يكون سماعك لوَصْف أحد كواشف الجهاز بأنّ ارتفاعه يبلغ خمسة طوابق شيئًا، وتكون رؤيتك لوجه دنفورد البشوش وهي تتحكم في الأمر برمته شيئًا آخر. كما يتعرض الفيلم لشخصية رئيسة أخرى، هي فابيولا جيانوتي، أحد الرموز الرئيسة بمختبر «سيرن»، التي كانت في طريقها لتصبح فيلسوفةً، لكنها أصبحت ـ بدلًا من ذلك ـ المتحدثة الرسمية باسم إحدى التجربتين الرئيستين اللتين أُجريتا للبحث عن جسيم هيجز في عام 2009.

يتبع خطَّ سَرْدٍ مُوَازٍ حفنةٌ من الفيزيائيين النظريين أثناء انتظارهم النتائج. يُعَدّ أكثرهم فصاحةً هو ديفيد كابلان، الفيزيائي الذي أنتج الفيلم. كابلان أيضًا هو مَنْ يتولى إدارة المحاضرين في شرحهم لجسيم هيجز أثناء المحاضرة الأكاديمية التي قُدِّمت لتوضح القواعد العلمية التي استند إليها الاكتشاف. يصوِّر كابلان نفسه وهو يقود سيارته في منتصف الليل، قاصدًا حضور احتفال في برينستون، نيوجيرسي، لكي يشهد الكشف عن الجسيم، ليخطئ مَخْرَج الطريق السريع من فرط شعوره بالإثارة. ويسرق منه نيما أركاني حامد الأضواءَ في عدة مواضع، إذ يتحدث هذا العالِم الإيراني المُشَتَّت الانتباه قليلًا ـ الذي دائمًا ما يرتدي قميص لعبة رجبي ذا خطوط حمراء وسوداء ـ عن هروب أسرته من الثورة الإيرانية، وعن السلوان الذي وفره له عِلْم الفيزياء. يقطع أركاني حامد معهدَ الدراسات المتقدمة في برينستون جيئةً وذهابًا في آخر الليل، ممثلًا بذلك كل الفيزيائيين والعلماء المتلهفين لسماع الأخبار الصادرة من مصادم الهادرونات الكبير.

عاب الفيلمَ تلك الفقرة التي تضمنت الأفكار الجدلية حول إمكانية وجود عدد من الأكوان (نموذج الأكوان المتعددة). ومع بداية انسياب البيانات من مصادم الهادرونات الكبير، تبدأ بعض اللمحات المثيرة في الظهور، غير أن كتلة الجسيم ظلت غير واضحة في بداية الأمر. ويضع الفيلم كتلتين لجسيم هيجز في مواجهة بعضهما البعض، تمثل كل كتلة تفسيرًا ممكنًا.. إما أنه نموذج الأكوان المتعددة، أو أن لكل جسيم في الكون زوجًا خفيًّا «فائق التناظر». هذه الاستراتيجية تعكس التوتر بين التفسيرات الممكنة، لكنها تؤكد بشكل كبير على إمكانية أن تقدم كتلة معينة لجسيم هيجز الدعمَ لنموذج الأكوان المتعددة. ولربما كان من الأفضل تركيز الانتباه ـ بدرجة أكبر ـ على المنافسة بين الفريقين الرئيسين بمصادم الهادرونات الكبير. هذه الدراما غير واضحة في الفيلم، حتى في مشهد الذروة الذي تكشف فيه جيانوتي ومنافستها في التجربة الثانية عن اكتشاف جسيم هيجز في ندوة لا تُنسَى.

هذا اعتراض طفيف بالطبع، فالإحساس بالدافع العلمي جَلِيّ في جميع أجزاء الفيلم. وحتى تغطية ندوة الاكتشاف كانت في تناولها جديدة، فبدلًا من الركض وراء مدير «سيرن» حول المدرج الذي تم فيه الإعلان، يعرِّفنا ليفنسون على سافاس ديموبولوس ـ عالِم الفيزياء النظرية بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا ـ وهو يحاول أن يقنع حراس المدرج أن يفسحوا له الطريق؛ لكي يستطيع حضور هذه اللحظة التاريخية. كما نرى دنفورد ساكنة الحركة تمامًا أمام شاشة كمبيوتر، وعيونها مثبتة على فيديو البث الحي لجيانوتي، وهي تعلن عن اكتشاف جسيم هيجز. ثم تنطلق صرخة رضيع حديث الولادة في الممر الواقع خارج مدرج «سيرن»، شأنه شأن جسيم هيجز.. مولود يثير الجلبة والمتعة.

[SITECODE=”youtube BbbGETO8G9g”]…[/SITECODE]

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث الاخبار

علماء يصنعون صورة متحركة مركَّبة من عدة صور للثقب الأسود

في إبريل 2019م عرض فريق علمي أول صورة في التاريخ لثقب أسود بتفاصيل دقيقة مذهلة، التقطتها مجموعة ضخمة من التلسكوبات الموزَّعة حول العالم تُدعى «تلسكوب أفق الحدث.» ..

اتفاق روسي – أمريكي على البحث المشترك عن الحياة على كوكب الزهرة

سيبحث المسبار الروسي الأمريكي “Venera-D” عن الحياة في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة على خلفية تصريح العلماء الغربيين حول اكتشاف علامة على قابلية الكوكب للسكن هناك. ..

بحث يحمل افتراضات نظريّة عن احتمالية وجود نوع “غريب” من الحياة داخل النجوم

ركز البحث عن حياة خارج الأرض على الكواكب التي يرى العلماء أنها الموطن المحتمل للحياة. وبحسب موقع “مرصد المستقبل” علماء الفيزياء في جامعة سيتي في نيويورك طرحوا ..

علماء معهد سيتي يضاعفون 200 مرة عدد المجموعات النجمية التي يقدرون وجود كواكب تدور حولها

نشر مرصد المستقبل خبراً عن فريقٌ من علماء معهد سيتي، الذين يبحثون عن حياة خارج الأرض، يفيد بأن علماء المعهد ضاعفوا عدد المجموعات النجمية التي يقدرون ..

حدث غريب يسجله مقياس الزلازل على سطح كوكب المريخ

لا تشبه أقمار المريخ قمر الأرض، فقمره الأكبر فوبوس، أقرب بكثير إليه من بعد قمر الأرض عنها، ويدور فوبوس حول المريخ ثلاث مرات في كل يوم مريخي، أي ..

أخبار ذات صلة

علماء يصنعون صورة متحركة مركَّبة من عدة صور للثقب الأسود

في إبريل 2019م عرض فريق علمي أول صورة في التاريخ لثقب أسود بتفاصيل دقيقة مذهلة، التقطتها مجموعة ضخمة من التلسكوبات الموزَّعة حول العالم تُدعى «تلسكوب أفق الحدث.» ..

اكتشاف ” ثقب أسود ” يعتقد أنه الأقرب إلى الأرض – فيديو

اكتشف فريق من علماء الفلك من المرصد الجنوبي الأوروبي (ESO) ومعاهد أخرى ثقبًا أسود يقع على بعد 1000 سنة ضوئية من الأرض. الثقب الأسود أقرب ..

علماء : اكتشاف انبعاث إشعاعات غاما من المادة المظلمة

اكتشف علماء الفلك انبعاث إشعاعات غاما من المادة المظلمة. وهذا يعني أن قسما من إشعاعات غاما في الكون تنبعث من المادة المظلمة. وتفيد مجلة Physical ..

رصد وميض خارق وسط ثقب أسود لم تر مثله من قبل

استخدم العلماء في جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة أحدث الكاميرات لالتقاط صور وميض خارق في وسط ثقب أسود. ويمكن أن تلتهم الثقوب السوداء النجوم القريبة، وعندما ..

اكتشاف ثلاثة ثقوب سوداء على مسار تصادمي

رصد علماء الفلك في وكالة الفضاء الأميركية “ناسا”، بواسطة مرصد تشاندرا للأشعة السينية وتلسكوبات فضائية أخرى، 3 ثقوب سوداء ضخمة للغاية تسير باتجاه تصادمي هائل. ..