فيزياء فلكية: نظرة في حَضَانة نجمية بدائية

يُطْلِق الفلكيون على العناصر الأثقل من الهيدروجين والهيليوم مسمّى «معادن»، وهي تمثل نسبة ضئيلة من كتلة المواد، حيث تكوّن ـ على سبيل المثال ـ نحو %2 فقط من المادة بين النجمية المجاورة للشمس؛ أكثرها وفرة في تلك المادة هما عنصرَا الأكسجين، والكربون، إذ لا تتناسب كميّتهما المنخفضة مع دورهما في تحفيز عملية ولادة النجوم. وفي هذا الصدد، يقدِّم روبيو وزملاؤه1 أولى الصور المُستبانة بشكلٍ جيد للحضانات النجمية المحتوية على نسب ضئيلة من تلك المعادن، الموجودة في مجرّة قزمة قريبة، من خلال تسجيل الخطوط الطيفية التي يصدِرها غاز أول أكسيد الكربون (CO)؛ ومن ثم ترشح النتائج تلك الطريقة كأداة تشخيص للبحث في العلاقة بين المحتوى المعدني، وعملية تكوُّن النجوم في المنظومات شديدة الافتقار إلى تلك العناصر.

تتشكَّل النجوم من سُحُب كثيفة باردة من الهيدروجين الجزيئي (H2)، حيث تعمل المعادن فيها كمبرِّدات، تساعد الغاز في الوصول إلى درجات حرارة منخفضة، وتسهِّل انهياره إلى التكاثف ما قبل النجمي. وتكوِّن المعادن أيضًا الغبار الموجود بين النجوم، الذي يحجب الحضانات النجمية عن ضوء النجوم الذي قد يكسِّر الجزيئات، ويُسخِّن الغاز.

تُنتَج هذه المعادن بداخل النجوم؛ فإذا ما مات النجم وانفجر؛ امتزج بعض من المعادن المنتجة حديثًا مع الغاز بين النجمي. لذا.. فإن عملية ولادة وموت الأجيال المتعاقبة من النجوم تؤدي إلى إثراء الوسط بين النجمي تدريجيًّا بالعناصر الثقيلة، التي بدورها تساعد في تكوُّن نجوم جديدة. وباتباع هذا المنطق، ربما تكون الأجيال الأولى من النجوم قد تكوَّنت في حضانات نجمية احتوت على قليل من المعادن، مقارنةً بمجرّة درب التبانة، أو ما شابهها من المجرّات الحالية. لذا.. ولفهم تكوُّن النجوم والمجرّات الأولى، يجب على الفلكيين قياس كيفية تأثير النسبة المعدنية المنخفضة على عملية تكوين النجوم، وهو ما يطمحون إليه بالفعل من خلال دراسة أقل المجرّات كتلةً في الكون الحالي ـ المجرّات القزمة ـ التي لا يُعتقد أنها قد نشأت حديثًا؛ ولذا.. فهي تُعتبر شبيهات غير مثالية للمنظومات البدائية النائية. ونظرًا إلى عدم فعاليتها في تكوين النجوم وجاذبيتها الضعيفة (حيث يمكن للنجوم المتفجرة فيها أن تقذف بعناصر ثقيلة إلى خارج المجرّة الصغيرة كليًّا)، فإنها تفتقر إلى العناصر الثقيلة. ومن ثم، يستعملها الباحثون بوصفها «مختبرات» محلية؛ لاستقصاء كيفية تأثير نقص المعادن في تكوُّن النجوم وسط سُحُب الغاز بين النجمي.

إنّ رصد الهيدروجين الجزيئي ـ الذي يمثل الجزء الأكبر من الغاز الكثيف البارد الموجود في تلك السحب ـ مباشرةً أمر صعب، ما يدفع الفلكيين إلى رصد مواد تعقُّب جزيئية ممتزجة معه، تُستعمل بصماتها الطيفية لاستنتاج كمية الهيدروجين الجزيئي بشكل غير مباشر. ومادة التعقب الرئيسة هنا هي غاز أول أكسيد الكربون، وهو ثاني أكثر الجزيئات بين النجمية وفرة2، ويوجد في الوسط بين النجمي، خاصةً في المناطق التي يوجد فيها غبار يكفي لحجب ضوء النجوم عنه. ويُدرَس هذا الغاز من خلال قياس انبعاثه في مجال أطوال الموجات الملّيمترية القابلة للكشف بالمناظير الإشعاعية. وفي مجرّات كمجرّة درب التبانة، حيث يكثر الغبار ويمتزج أول أكسيد الكربون مع الهيدروجين الجزيئي بشكل جيد، يتكون الغبار وأول أكسيد الكربون نفسه من عناصر ثقيلة؛ ولذا.. فإن الانبعاثات الصادرة من أول أكسيد الكربون تكون خافتة في المجرّات ذات المحتوى المعدني المنخفض. وثمة تاريخ طويل من عمليات البحث عن أول أكسيد الكربون في المجرّات القزمة، بغرض فهم الحضانات النجمية منخفضة المعادن. وعلى مدار عقود، بقيت سحابة ماجلّان الصغرى (وهي مجرّة قزمة تابعة لدرب التبانة)، وبضعة مجرّات مشابهة أخرى، أكثر المنظومات الفقيرة بالمعادن التي اكتُشفت فيها حضانات نجمية عن طريق انبعاثات أول أكسيد الكربون؛ التي قد تبين3 أن الحد الفعلي من المعادن الذي يسمح بالكشف عنها هو حوالي خُمس المحتوى المعدني الخاص بمجرّة درب التبانة. ومن ثم، انعدمت ـ إلى حد بعيد ـ المعرفة المباشرة بالحضانات النجمية في المجرّات ذات النسبة المعدنية الأقل من هذا الحد.

وقبل عامين، استعمل باحثون من مجموعة روبيو وزملائه منظار تجربة مستكشف آتاكاما (Atacama Pathfinder Experiment) في شيلي؛ لاختراق هذا «الحد المعدني»4؛ فرصدوا انبعاثات أول أكسيد الكربون من مجرّة وولف-لوندمارك-ميلوت (Wolf?Lundmark?Melotte; WLM) القزمة، المنتمية إلى مجموعة المجرّات المحلية نفسها التي تتضمن مجرّة درب التبانة (الشكل 1). تتصف تلك المجرّة بمحتوى معدني5 يساوي فقط نحو عُشر مثيله في مجرّة درب التبانة، ونحو نصف مثيله في المجرّة التي تحمل الرقم القياسي السابق6، ورُصدت فيها انبعاثات أول أكسيد الكربون. ومن ثم، بيَّن الباحثون أن الانبعاثات المرصودة في مناطق تكوُّن النجوم في مجرّة وولف-لوندمارك-ميلوت كانت ضئيلة جدًّا، مقارنة بتلك الصادرة من مواد التعقب الأخرى الغازية وغيرها؛ ما يعني أن جزيئات أول أكسيد الكربون المرصودة فيها تشير فقط إلى الأجزاء الأكثف والأقل شفافية في حضانة نجمية موسّعة.

( الشكل 1 ) مجرّة وولف-لوندمارك-ميلوت (WLM) القزمة


أعلن روبيو وزملاؤه أن السُّحُب الكثيفة التي تحتوي على غاز أول أكسيد الكربون في هذه المجرّة (غير المرئية هنا) تتصف بخواص فيزيائية مشابهة لخواص مثيلاتها في مجرّة درب التبانة، برغم ندرة العناصر الأثقل من الهيليوم فيها. وتقع تلك السُّحُب ضمن حضانات نجمية موسّعة من غاز بارد تصعب رؤيته. وفي هذه الصورة المركبة لمجرّة وولف-لوندمارك-ميلوت، تُشع النجوم حديثة الولادة، كبيرة الكتلة، المولودة في هذه السحب بالجزء الأكبر من الضوء فوق البنفسجي (الظاهر باللون الأزرق)، وتشع جميع النجوم بالضوء المرئي (الظاهر باللون الأخضر). أما المخزون الكبير من الغاز بين النجمي الدافئ، الذي لم يكوِّن نجومًا بعد، فيصدِر إشعاعًا في مجال الأمواج الراديوية (الظاهر باللون الأحمر)

أما روبيو وزملاؤه، فهم يستخدمون الآن أقوى منظار أطوال أمواج ملِّيمترية في العالم، هو مصفوفة آتاكاما الملّيمترية/دون الملّيمترية الكبرى – ألما (ALMA) – وذلك لاستبيان صور جيدة لتلك المناطق في مجرّة وولف-لوندمارك-ميلوت. وبشكل مذهل، تكشف صور انبعاثات أول أكسيد الكربون المستبانة أن الحضانات ما هي إلّا تكتلات صغيرة، يُفترض أنها تمثل فقط الأجزاء الأكثف في سُحب تكوين النجوم (انظر الشكل 1 في بحث روبيو وزملائه1)؛ على عكس الحال في مجرّة درب التبانة، حيث تتخلل انبعاثات أول أكسيد الكربون جميع مناطق تكوُّن النجوم، كسحابة الجوزاء الجزيئية8,7 مثلًا. ومكَّنت الصورُ المؤلفين من قياس حجم السحب التي تصدِر أول أكسيد الكربون مباشرةً (والتي يساوي عرضها نحو 3 فراسخ فلكية)، وكذلك طاقات السحب الحركية، حيث تستطيع المناظير الإشعاعية تعقُّب حركة غاز أول أكسيد الكربون من خلال قياس انزياح ترددات خطوط انبعاثه نسبةً إلى قيمه في حالة السكون (وهو ما يسمّى “تأثير دوبلر”). وعلى أساس هذه القياسات، يجادل روبيو وزملاؤه بأن الخواص الفيزيائية (الكثافة والضغط والجاذبية الذاتية) لتلك السحب تماثل تلك الخاصة بالتكتلات المشابهة في الحجم، الموجودة في المناطق المحلية الأخرى الغنية بالمعادن، كالمنطقة المجاورة للشمس مثلًا، برغم أن معظم سحابة تكوين النجوم في مجرّة وولف-لوندمارك-ميلوت يُعتبر غير موجود، حسب قياس انبعاثات أول أكسيد الكربون منها.

يجادل المؤلفون بأن هذا التشابه في الخواص الفيزيائية يساعد في تفسير التشابه بين مجموعات النجوم المولودة في مجرّات فقيرة بالمعادن، وتلك الموجودة في المنظومات الأقل تطرفًا. وبالتالي فهُم يقترحون أن التأثير الأول لافتقار مجرّة وولف-لوندمارك-ميلوت للمعادن هو حجب معظم كتلة السحابة عن الرؤية بواسطة غاز أول أكسيد الكربون. وتعني قلّة الغبار في تلك المجرّة أن أفضل مادة تعقب متاحة لدينا للهيدروجين الجزيئي موجودة في عمق السحابة فقط، وربما لا يختلف بشكل كبير سلوك معظم الهيدروجين الجزيئي عن سلوكه في المجرّات «العادية» الأخرى. ويتفق ذلك ـ نوعيًّا على الأقل ـ مع المحاكاة والتنبؤات النظرية لسلوك أول أكسيد الكربون والهيدروجين الجزيئي في المجرّات الفقيرة بالمعادن9. كما يتوقع المؤلفون أنه يمكن للحجم الصغير لتلك التكتلات الملتفة بالغبار، التي تصدِر غاز أول أكسيد الكربون، أن يفسر ندرة المجموعات النجمية كبيرة الكتلة في المجرّات الصغيرة المنعزلة.

تلقِي الدراسة الحالية الضوء على نهج متغير لدراسة عملية تكوُّن النجوم في المنظومات ذات النسبة المعدنية المنخفضة. فقد بدأت المناظير الحديثة بقياس طاقات الحضانات النجمية الفقيرة بالمعادن، وكثافاتها وطبيعتها المضطربة، ما يعد بتقدم هائل عن مجرد تصيُّد إصدارات أول أكسيد الكربون الخافتة في مثل تلك المنظومات. كما يعمل مرصد ألما الآن بشكل مستمر، ونتوقع أن نرى تطورات مثيرة في هذا المجال خلال السنوات القادمة.

لكن تظل المشكلة الجوهرية في عدم معرفة مقدار غاز الهيدروجين الجزيئي الموجود في المنظومات الفقيرة بالمعادن مشكلة شاقة، خاصة في ضوء هذا الاكتشاف المثير بأن غاز أول أكسيد الكربون يحتل فقط جيوب صغيرة من الغاز الكثيف بداخل حضانات نجمية موسّعة. لذا سوف تكون ثمة حاجة إلى أرصاد عالية الدقة لمواد تعقب غازية أخرى، بما فيها الكربون المتأيِّن والمحايد، وأرصاد للغبار (الذي يُدرس من خلال قياس الأشعة تحت الحمراء المنبعثة منه، ومقدار حجبه للضوء النجمي)، من أجل تحديد بنية السحب الفقيرة بالمعادن بالتفصيل. استقصى روبيو وزملاؤه بالفعل تلك المواد الأخرى، لكن بدقة منخفضة فقط، لا تتوافق مع ضقة رصد السحب الصغيرة التي تصدر غاز أول أكسيد الكربون في مجرّة وولف-لوندمارك-ميلوت.

الجدير بالذكر في النهاية أنه لم تُقَس حتى الآن سوى حفنة من السُّحب فقط ضمن منظومة واحدة، لكن يمكن لعملية تكوُّن النجوم أن تكون عنيفة وعشوائية في نطاقات الحيز الضيقة. وسوف يصبح من المثير أن نرى إنْ كانت تلك النتائج الأولى مؤشرًا فعليًّا لمجموعة أوسع من السُّحُب في مجرّات أخرى منخفضة المعادن، أم لا.

Adam Leroy
بروفيسور – فلك فيزيائي – أستاذ مساعد جامعة ولاية اوهايو

المصدر : نيتشر العربية [/URL]

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث الاخبار

علماء يصنعون صورة متحركة مركَّبة من عدة صور للثقب الأسود

في إبريل 2019م عرض فريق علمي أول صورة في التاريخ لثقب أسود بتفاصيل دقيقة مذهلة، التقطتها مجموعة ضخمة من التلسكوبات الموزَّعة حول العالم تُدعى «تلسكوب أفق الحدث.» ..

اتفاق روسي – أمريكي على البحث المشترك عن الحياة على كوكب الزهرة

سيبحث المسبار الروسي الأمريكي “Venera-D” عن الحياة في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة على خلفية تصريح العلماء الغربيين حول اكتشاف علامة على قابلية الكوكب للسكن هناك. ..

بحث يحمل افتراضات نظريّة عن احتمالية وجود نوع “غريب” من الحياة داخل النجوم

ركز البحث عن حياة خارج الأرض على الكواكب التي يرى العلماء أنها الموطن المحتمل للحياة. وبحسب موقع “مرصد المستقبل” علماء الفيزياء في جامعة سيتي في نيويورك طرحوا ..

علماء معهد سيتي يضاعفون 200 مرة عدد المجموعات النجمية التي يقدرون وجود كواكب تدور حولها

نشر مرصد المستقبل خبراً عن فريقٌ من علماء معهد سيتي، الذين يبحثون عن حياة خارج الأرض، يفيد بأن علماء المعهد ضاعفوا عدد المجموعات النجمية التي يقدرون ..

حدث غريب يسجله مقياس الزلازل على سطح كوكب المريخ

لا تشبه أقمار المريخ قمر الأرض، فقمره الأكبر فوبوس، أقرب بكثير إليه من بعد قمر الأرض عنها، ويدور فوبوس حول المريخ ثلاث مرات في كل يوم مريخي، أي ..

أخبار ذات صلة

اكتشاف أربعة أجرام سماوية في مركز مجرة درب التبانة

تحتوي المنطقة المركزية، البالغ امتدادها 0.1 فرسخ فلكي في مجرة درب التبانة، على ثقبٍ أسود شديد الضخامة، يميزه العلماء بكونه موقع مصدر الموجات الراديوية وتحت ..

لماذا تدور الكواكب حول نفسها ؟

في فيض المعرفة الضخم الذي نغرق فيه حتى الأذنين بعصرنا الحديث، صار تدبر بعض الأساسيات أمرًا بالغ الندرة ومنعدم الضرورة تقريبًا. أعني، بينما قد تهتم ..

الكوكب التاسع الذي لا يزال مختبئاً في نظامنا الشمسي

في تنافس محموم، يبحث الفلكيون من جميع أنحاء العالم عن كوكب عملاق وغير معروف حتى الآن، ومن بينهم أيضا السويسري كريستوف موردازيني، عالم الفيزياء الفلكية ..

لماذا العودة إلى القمر وغزوِهِ مرة أخرى ؟

الجميع يعلم أن القمر جرم سماوي صغير تابع لكوكب الأرض وذكر في كتاب الله في عدد من الآيات الكريمات، التي وصفته بحركاته المختلفة ومميزاته الكونية ..

“أومواموا” الكويكب الغريب الذي حيّر العلماء

عاد الحديث مجددا عن “أومواموا”، وهو الجرم الفضائي الذي تمكنت التلسكوبات الروبوتية من رصده في الخريف الماضي في هاواي. ولمن يهمه الأمر فـ أومواموا ، ..